جيرار جهامي ، سميح دغيم
1214
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
ومعنى ذلك أن الخلق ليس شيئا سوى تقدير فعل ما على حسب الغرض والداعي المطابق له ، أي التخطيط السابق على التنفيذ . والغرض هنا بمعنى أن يكون الفعل مطابقا للمقدور على الوجه المطلوب . فالخلق إذا ليس سوى الاقتدار على الفعل وقطع الأمر فيه . وما دام الأمر كذلك يمكننا أن نقول بالخلق على صعيد الإنسان ، بمجرّد أن تكون لديه القدرة على الإتيان بالفعل على الغرض والداعي المطابق له . فالمخلوق هو المفعول على حدّ يطابق الغرض ، أو لنقل هو الفعل المقدّر بالغرض والداعي المطابق له على وجه لا يزيد عليه ولا ينقص ( القاضي عبد الجبّار ) . والتقدير هنا بمعنى الإيجاد والقطع . والفاعل بتقديره لفعله يخرجه من العدم إلى الوجود ، فيكون متعلّقا به على جهة الإحداث . وفي ذلك سيادة للإنسان على أفعاله ، وهو بالتالي يشارك اللّه من وجه ما في فعل الخلق ، خصوصا في مجال الأفعال التي تقع منه مقدّرة ، أي معلومة ومحكمة ومختارة ومقدورة ، على حسب أغراضه ودواعيه . وقد يرد الخلق بمعنى الإرادة التي هي اختيار مقرون بالتنفيذ أي التحقيق العملي للفعل . فإرادة الفعل ، مع أن دورها يختصّ بتمييزه على وجه معيّن ، إلّا أنها عندما تقترن بالتنفيذ العملي تصبح خلقا . إن الفكر غير المفصول عن الفعل عن خلق أيضا لأنه تحقيق عملي مسبوق بالعلم المتولّد عن النظر . وإذا كان التفكّر يعني إحالة الخاطر والتأمّل ، فإن الإنسان لا يتفكّر في أمر إلّا إذا كانت له مصلحة في ذلك . من هنا تنجم العلاقة الجدلية بين المصلحة من جهة والتفكير من جهة ثانية . فالعلم الناتج عن المصلحة يوضع في خدمة العمل ويتّسع باتّساع حاجة الإنسان ومصلحته ، فيقطع بقدر ما يقدر وما يرى أن له فيه مصلحة . ولما كان اللّه على مذهب المعتزلة لا يقبل إلّا ما فيه مصلحة البشر ومنفعتهم ، كان الاقتدار الإنساني على الأفعال يهدف إلى تضمينها ما هو خير وصلاح له ، فيقدّر بالتالي الوجه الذي يرى فيه منفعة له ويأتي وقوع الفعل مطابقا لما علمه واختاره وأحدثه . وجميع ذلك هو التقدير على وجه المصلحة . ومن إثبات التقدير للإنسان نثبت له الخلق . إن الخلق قد يذكر ويراد به أيضا إجادة الفعل والقطع به ، والإنسان إذا تفكّر شيئا معناه خلقه وقطعه . وقد يجوز حصول عملية الخلق دون حصول المخلوق ، لأن معنى الخلق معنى موجود في الإنسان دون أن يكون موجبا لمخلوقه ، ومعناه أيضا اختصاص الإنسان بدينامية تجعله قادرا أي مقدّرا لأفعاله وخالقا لها . تحصل عملية الخلق على الصعيد الإنساني عندما يكتمل قدر الفعل من جهة تعلّقه بالفاعل . ووجه هذا التعلّق هو أن يكون معلوما ومختارا على جهة معيّنة ومقصودا به مطابقة الغرض ، ومحدثا في حيّز التحقيق العملي بالقدرة . فمعنى أن الخالق يفعل أفعاله مقدّرة على مقدار ما دبّرها عليه يؤدّي إلى قولنا في اللّه أنه خالق ؛ وكذلك القول في الإنسان إنه خالق إذا وقعت منه أفعال